محمد أبو زهرة
574
زهرة التفاسير
لا ينظر إلى صوركم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » « 1 » ؛ ولذا قال تعالى : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها . قيل إن بعض العرب كان إذا أحرم ، لا يدخل بيته من بابه وإنما يدخل من ظهره ، قال ابن عباس في رواية عنه كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج ، فإن كان من أهل المدر ( أي البيوت المبنية بالآجر ) نقب في ظهر بيته نقبا ، فمنه يدخل ومنه يخرج ، أو يضع سلما فيصعد منه ويحدر عليه ، وإن كان من أهل الوبر ( دار أهل الخيام ) يدخل من خلف الخيمة . وقالوا إن الآية نزلت لإبطال هذه العادة التي كانت بقية من بقايا الجاهلية ، وبين أن هذا ليس من الإسلام ؛ لأن هذه أمور شكلية لم يأمر بها الله تعالى ، وكل ما لم يأمر به الله تعالى ويتخذ على أنه عبادة يكون بدعة محرمة وخصوصا إن كان له صلة بالعبادة . هذا هو التخريج الذي يتفق مع بعض المأثورات وإن كانت لم تثبت صحتها على وجه الجزم واليقين . وهناك تخريج آخر ، وهو أن هذا الكلام تصوير للذين يسألون عن الأهلة ، ولا يعنون بصلتها الشرعية من حيث إنها مواقيت للناس والحج ، من حيث إنهم مثل الذين ينظرون إلى أمور من ظواهر الشرع ، فلا يأتون الأمور من بابها ، وهو ما يتعلق بالقلب فهم لم يدخلوا الأمور من بابها بتساؤلهم عن الأهلة ، وأخذوها من غير بابها ، وقد قال في ذلك الراغب في تفسيره قال الله تعالى : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها بأن تطلبوا الأمر من غير وجهه ، وذلك أنه يقال إن فلان أتى الأمر من غير وجهه ، وجعل ذلك مثلا بسؤالهم النبي صلى اللّه عليه وسلم لما هو ليس من العلم المختص بالنبوءات وإن ذلك عدول عن النهج ، وذلك أن العلوم ضربان : دنيوي يتعلق بأمر المعاش لمعرفة الصنائع ، ومعرفة حركات النجوم ومعرفة المعادن والنبات ،
--> ( 1 ) عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » . [ رواه مسلم : كتاب البر والصلة ( 4651 ) ] .